هندسة البشر - الارجونوميكا
Ergonomics
يعيش العالم المتحضر ضمن منظومة متكاملة المفردة الأساسية فيها "الإنسان" باعتباره محور تركيز جهود التنمية، والتي تسعى إلى توسيع نطاق خياراته في جميع ميادين سعيه، فهي عملية ومحصلة في ذات الوقت، تهتم بالعملية التي يجري من خلالها توسيع تلك الخيارات، وتركز على النتائج التي تعززها، باكتسابهم القدرات وإتاحة الفرصة لديهم لاستخدامها، مع ضرورة التوازن بينهما، وضمان تأثير الأفراد في القرارات والعمليات في حياتهم، فالتنمية الإنسانية هي تنمية لهم، ومن أجلهم، ومن قبلهم، لذلك لا بد من إيجاد منهجيات يكون الإنسان هو محورها، والتي يمكن تحقيقها من خلال منهجية الارجونوميكا التي تتناول بالدراسة الطاقة والشغل في النشاط البشري وبتصميم العمل البشري وهندسته.
تدرس الارجونوميكا العمل والبشر الذين يؤدونه والأساليب التي تؤدى بها والأماكن التي يتم فيها العمل، أي يعنى بهندسة البشر التي تعنى بتصميم بيئة العمل، وهو نشاط يهتم بكل التغييرات المنشودة لتحسين مستوى الأفراد عن طريق إشباع حاجاتهم الطبيعية والاجتماعية المشروعة، أي ترتبط ارتباطا وثيقاً بنظم تفاعلات البشر وأنماطها، فهي تعبير واضح ومنهجي لتنمية البشر اجتماعيا، تهتم بشكل رئيس بالبشر الذين يؤدون والأساليب التي يستخدمونها في الأداء والإصابات التي يتعرضون لها نتيجة الاستمرار في العمل، أيضا البيئة التي تتم فيها ممارسة هذا النشاط البشري، والقوى والعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تتم من خلالها ممارسة هذا العمل.
تعتمد هذه المنهجية على عدد من الأسس الارجونوميكية كالتوالد الإبداعي والأصالة المعلوماتية(المادية والمعنوية) والإدراك والوعي والقيم الجمالية والدافعية ومستوى التعزيز والكفاءة والفاعلية والأبعاد الأخلاقية والتجديد والتخطيط المتجدد والاتساق، فهي مجالا علمياً يضع في الاعتبار تحسين الإنتاجية والصحة والسلامة، حسبما يكون التفاعل المؤثر بين الأفراد والتقنيات التي يستعملونها والبيئة التي يوجدون فيها، كما جاءت لتكون منهجية مكملة لمنهجية إعادة هندسة العملياتBPR لتجاوز تفكير الأنظمة السائدة، وتخطيها إلى إعادة التفكير بشكل أساس بإعادة تصميم العمليات بطريقة جذرية بهدف تحقيق تطوير جوهري وليس تطويراً هامشياً في معايير الأداء المؤثرة مثل التكلفة والجودة، الخدمة والسرعة.
ولما كان الاهتمام بالموظف، الذي يستأثر جهوداً كبيرة من الحكومات والهيئات من أجل التحسين والتطوير، فإن أي بناء لهم لا يأخذ في اعتباره توجيههم للتكيف والانسجام مع البيئة التي يعيشون فيها ويهيئ لهم فرص الكشف عن العلاقات المتبادلة والروابط القائمة بينهم والظواهر المحيطة به، فإن ذلك يعد بناءً ناقصاً وبعيداً عن الاتجاهات التربوية السليمة، لأن من حق كل موظف أن يستثمر كل ما لديه من مقدرات وطاقات تحقيقاً لذاته كإنسان، بحيث يَّتمُّ تهيئته وبناؤه كي يسهم بنشاط وإيجابية في عمله ويشعر بهويته ويحقق ذاته وفق إمكاناته داخل مجتمعه وخارجه لتأدية رسالته كاملةً غير منقوصة، مما يتطلب تزويدهم بالعديد من المهارات التي تعينهم على التكيف مع الثقافة المعاصرة، كذلك إعادة تقييم الأساليب والممارسات المعمول بها والعمل على تعديلها وفقاً للمعطيات الارجونوميكية سواء كانت البيئية أم الجسمية والعقلية أم الوجدانية والاجتماعية للموظفين العاملين، لإحداث تطوير جذري في فلسفة الإدارة ومناهجها وأساليبها.
ولتوظف منهجية الارجونوميكا في الإدارة التربوية لا بد من رصد الواقع الثقافي المادي والمعنوي، من خلال رؤية البدائل المادية والقيمية الملائمة ورؤية المدخلات البيئية والثقافية المختلفة، وهندسته لوضع البرامج الملائمة التي ترتبط بالجذور والاتجاهات والتغييرات العلمية، وترتبط بفلسفة المجتمع وأهدافه من بناء الإنسان، كذلك لا بد من تطوير استراتجيات يمكن من خلال مدخلاتها المادية والبشرية وما يرتبط بها من معلومات سواء بنقاط قوتها أم ضعفها، أم بالفرص التي يمكن الإفادة منها، وما يمكن مواجهته والتصدي له من مخاطر للارتقاء وتطوير العمل التربوي بما يحقق الأهداف العليا.
إعداد د. رقية عدنان المعايطة/ مستشارة تدريب/خبراء التربية.